السيد محمد الطباطبائي الكربلائي

109

مفاتيح الأصول

أمرا أنها مؤثرة في وضع الواضع إياها بإزاء الأمرّدة عن تلك الإرادة ليست أمرا حقيقة فهو حق بل يكون اللافظ حينئذ مستعملا لها في غير موضوعها كاستعماله إياها في الخبر وغيره وقد اعترف المصنف بذلك حيث قال إن أمر السيّد لعبده لتمهيد عذره وليس أمرا حقيقة بل هو صورة الأمر وذلك لعدم إرادة المأمور به وفخر الدّين اعترف هاهنا بأن صيغة افعل التي هي عبارة عن الأمر موضوعة للإرادة وقد أتى ذلك من قال وزعم أنها موضوعة للطلب المغاير للإرادة انتهى السّابع قال العلامة في التهذيب أيضا وقد يقوم صيغة الأمر مقام الخبر مثل إذا لم تستح فاصنع ما شئت وبالعكس مثل والوالدات يرضعن أولادهنّ لاشتراكهما في الدّلالة على وجود الفعل وكذا النّهي مثل لا ينكح المرأة على عدتها انتهى الثّامن قال العلامة في التهذيب يمكن أن يقول الإنسان لنفسه افعل ويريد الفعل لكنه لا يسمّى أمرا لأن الاستعلاء معتبر وصرّح بهذا في النهاية أيضا لا يقال الاستعلاء الاعتباري والمغايرة الاعتبارية يكفي لأنا نقول الأصل فيهما التحقيق قال المحقق الشريف فيما حكي عنه لا طلب في نحو لأعلم ولنعلم حقيقة كما لا يخفى على ذي بصيرة بل هناك عبارة الطلب ليعلم أن العلم مما لا بد منه وينبغي أن يجد في تحصيله كأنه طلب منه انتهى ثم إن المستفاد من العلامة في التهذيب أن ذلك غير مستحسن حيث قال بعد ما نقلنا عنه ولا يحسن لأن فائدة الأمر الإعلام ولا فائدة في إعلام الرجل نفسه ما في قلبه انتهى وصرّح به في النهاية وحكاه عن أبي الحسين وصرّح به في المحصول أيضا وفيه نظر مفتاح قال العلامة في التهذيب الآمر إن نقل كلام غيره دخل فيه إن تناوله وكذا إن نقل أمر غيره بكلام نفسه انتهى قلت مثال الأول قوله تعالى يوصيكم اللَّه في أولادكم ومثال الثاني قولهم فلان يأمرنا بكذا والوجه فيما ذكره أن المقتضي للعموم موجود والمانع عنه مفقود إذ ليس إلَّا النّقل وهو لا يصلح له ولا يخفى أن إطلاق الآمر على هذا الناقل مسامحة مفتاح إذا أمر الآمر جماعة بخطاب يشمله لغة كأن يقول وليقم كل من في هذه الدار وهو فيها فالظاهر أنه لا يدخل تحت أمره وإلَّا لكان مستعليا على نفسه وهو باطل ومع ذلك فالمفهوم عرفا عدم الدّخول وقد صار إلى ما ذكرناه الشيخ قال فالنبي صلى الله عليه وآله إذا أمر غيره بفعل لا يدل ذلك على أنّه مأمور به أيضا إلَّا أن يدل دليل على ذلك فيحكم به لأجل الدّليل ويفارق ذلك أفعاله صلى الله عليه وآله لأنها بالعكس من أوامره لأن أفعاله مختصّة ولا نسلَّم أنها متعدّية إلى غيره إلَّا بدليل وأوامره متعدية ولا يعلم تناولها له فاختلف الأمران انتهى واعلم أنّه لا يجوز أن يخير الإنسان نفسه أيضا لأن وضع الخبر للإفادة ولا فائدة في إخبار نفسه بما يعلم به قبل الإخبار وقد يجوز مجازا مفتاح اعلم أن صيغة افعل وما في معناها تستعمل في معان كثيرة الإيجاب والندب والإرشاد والتهديد والإهانة والدعاء والإباحة والامتنان والإكرام والتسخير والتعجيز والتّسوية والإذن والاحتقار والتمني والإنذار والتأديب والتكوين والالتماس والتفويض والتعجب والتكذيب والاعتبار والمشورة والإنعام ولا بعد في إرجاع بعضها إلى بعض وقد اختلف القوم فيما هو المعني الحقيقي منها على أقوال الأوّل أنها حقيقة في الوجوب ومجاز في غيره وهو للشيخ والمحقق والعلامة وصاحب المعالم والحاجبي والعضدي والطوسي والبيضاوي والعبري والأصفهاني كما عن الشافعي والغزالي وأبي الحسين البصري وأبي علي الجبّائي في أحد قوليه وهو ظاهر المحكي عن أبي إسحاق الشيرازي والقاضي أبي المطيب السّمعاني وأبي المظفر السّمعاني والرّازي بل حكي عن أكثر الفقهاء والمتكلَّمين بل قيل إنّه مذهب المحققين وبالجملة هذا القول عليه معظم علماء الإسلام فإن قلت من أشرت إليهم عبائرهم مختلفة فمنهم من قال إن الأمر للوجوب ومنهم من قال للإيجاب والفرق بينهما جليّ فإن معنى كون الأمر للوجوب كونه دالا على أن الفعل المأمور به على صفة الوجوب وهو غير كونه للإيجاب فإن معنى كونه للإيجاب أنّه يدلّ على أن الأمر أوجب الفعل المأمور به ولا يدلّ على أنّه على صفة الوجوب فلم ذكرت أن الكلّ قائلون بقول واحد قلت لما لم يكن ثمرة بين القولين لا سيّما بالنسبة إلى الأوامر الشّرعية سامحت في التّعبير الثاني أنها حقيقة في النّدب وهو لأبي هاشم وأبي علي وجماعة من الفقهاء والمتكلَّمين فيما حكي عنهم وحكي عن الشافعي أيضا الثالث أنها حقيقة في الطَّلب المشترك بينهما وهو للسيّد عميد الدّين والخطيب القزويني والمحكي عن أبي منصور الماتريدي من الحنفيّة والفاضل صاحب الوافية والجويني وجماعة واختاره العلامة في النهاية والمبادي ولكن صرّح بأنه في الشرح للوجوب وحكاه عن جميع ممن مضى إليهم الإشارة الرّابع أنها حقيقة في الإذن المطلق المجامع للوجوب والندب والإباحة وهو محكي عن بعض الخامس أنّها مشتركة بين الوجوب والنّدب لغة وحقيقة في الأول شرعا وهو للسّيّدين المرتضى وابن زهرة السّادس أنها مشتركة بينهما مطلقا وهو لصاحب المنتخب والمحصول والتحصيل على ما حكي قيل وهذا المذهب نقله الآمدي في منتهى السّئول عن الشيعة السّابع أنها مشتركة بينهما وبين الإباحة والتّهديد ونسبه جماعة من العامة منهم الحاجبي